في خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل ساحات الصراع، يبرز سؤال محوري حول موقع جماعات العنف والتطرف من المشهد الراهن، وحدود تقاطعها مع المشاريع الإقليمية.
في هذا السياق، قدّم الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية منير أديب، خلال مقابلة مع سكاي نيوز عربية، قراءة تحليلية تربط بين حالة السيولة الأمنية في المنطقة وتصاعد خطاب التنظيمات المتشددة، مشيراً إلى توافقات فكرية واستراتيجية تجمع هذه التنظيمات بالمشروع الإيراني، ومُرجّحاً تحركات ميدانية محتملة خلال المرحلة المقبلة.
سيولة إقليمية وخطاب منحاز
يرى أديب أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين التصريحات الأخيرة ونشاط جماعات العنف والتطرف في ظل حالة السيولة التي تعيشها المنطقة، لا سيما في سياق الحروب والصراعات التي شهدتها الأشهر والسنوات الماضية منذ 7 أكتوبر 2024.
ويشير إلى أن المنطقة تعيش توتراً شديداً تغذّيه الحروب التي نشبت، سواء حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025 أو الحرب الدائرة حالياً منذ 4 أيام.
في هذا المناخ، يلفت أديب إلى أن جماعات العنف والتطرف تبنّت خطاباً واسعاً ومنحازاً بصورة كبيرة، معبّراً عن اصطفافها إلى جانب خصوم الدولة الوطنية.
ويوضح أن هذه الجماعات أعلنت انحيازها لإيران، على سبيل المثال، في هجماتها على دول الخليج، معتبراً أن هذا الموقف يرتبط بمحاولات بعض الدول محاصرة هذه التنظيمات وتفكيكها ومواجهتها بشكل حاسم.
السودان نموذجاً لتحالفات الداخل
وفي سياق متصل، يتوقف أديب عند الحالة السودانية، متحدثاً عن تحالف في الداخل بين قوات الجيش السوداني وما يُعرف بالحركة الإسلامية أو "الكيزان".
ويشير إلى أن هذا التحالف يسعى إلى تصدير صورة تعيد إنتاج النظام السابق، موضحاً أن هؤلاء يصوّرون الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة من منظور منحاز إلى الخطاب الإيراني، الذي يطرح نفسه ممثلاً للجمهورية الإسلامية.
ويستخلص أديب من ذلك وجود توافق يبدو واضحاً بين خطاب إيران وخطاب تنظيمات تبدو أكثر تطرفاً، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات ميدانية.
توقعات بعمليات ضد مصالح أميركية وخليجية
يتوقع أديب، خلال الأيام والأسابيع المقبلة، أن يقدم تنظيم القاعدة، وقياداته الموجودة في الداخل الإيراني، على تنفيذ عمليات ضد القوات الأميركية وضد المصالح العربية والخليجية في المنطقة، مرجحاً أن تكون هذه العمليات بدافع الثأر لإيران، أو بتحريك منها.
وفي إطار الربط بين الخطاب والتحرك الميداني، يستشهد بحادثة وقعت في ولاية تكساس الأميركية، حيث أقدم شخص على إطلاق النار على عدد من الأميركيين، ما أسفر عن مقتل 3 وإصابة 14 قبل أن يُقتل. ويشير إلى أن منفذ الهجوم كان ملفوفاً بعلم إيران، وكان يرتدي سترة كُتب عليها "الملك لله"، معتبراً أن هذا المشهد يعكس دلالات تتصل بحالة التأثر والخطاب المتطرف.
اتفاق أيديولوجي وتلاقٍ استراتيجي
يؤكد أديب وجود اتفاق أيديولوجي وعلاقة فكرية بين إيران وتنظيمات العنف والتطرف، موضحاً أن كل طرف من هذه الأطراف، سواء إيران أو التنظيمات المتشددة، يمتلك أهدافاً تتوافق مع مشروع ما يُسمّى بـ"الجمهورية الإسلامية الإيرانية".
ويشير إلى أن هذه التنظيمات تلقت دعماً من إيران على مدار عقود طويلة، لافتاً إلى أن قيادات في تنظيم القاعدة، وعلى رأسهم سيف العدل، الذي تولّى قيادة التنظيم خلفاً لأيمن الظواهري بعد مقتله، يقيمون على الأراضي الإيرانية.
كما يتطرق إلى التلاسن الذي حدث بين قيادات تنظيم داعش والقاعدة، حيث اتهم أبو محمد العدناني، المتحدث السابق باسم تنظيم داعش قبل مقتله على يد القوات الأميركية، القاعدة بأنها عميلة للمخابرات الإيرانية، بما يعكس – وفق أديب – وجود علاقة بين إيران وتنظيم القاعدة.
ويمتد هذا الطرح، بحسب أديب، إلى العلاقة بين داعش والإخوان المسلمين، مشيراً إلى أن أغلب الميليشيات المسلحة التي خرجت من رحم الإخوان ونفذت عمليات في عواصم عربية، ومنها القاهرة، كانت تتلقى دعماً مادياً ولوجستياً من إيران، مثل ما يُسمّى بحركة "سواعد مصر" و"لواء الثورة". كما أشار إلى تنظيم ما يُعرف بـ"الجهاد الإسلامي"، الذي نشط في دول عربية عدة، معتبراً أنه من بين التنظيمات التي حظيت بدعم إيراني.
مواجهة عربية وتفكيك البنية الفكرية
في المقابل، يؤكد أديب أن أغلب الدول العربية، إلى جانب دول خارجية، تمتلك مشروعاً حقيقياً لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها تنظيمات العنف والتطرف، خصوصاً التنظيمات العابرة للحدود والقارات، مثل جماعة الإخوان والقاعدة وداعش، فضلاً عن تنظيمات محلية وإقليمية أخرى.
ويشير إلى أن المواجهة لا تقتصر على البعد الأمني، بل تمتد إلى مواجهة الأفكار المؤسسة لهذه التنظيمات، وهو ما تعمل عليه الدول العربية، التي نجحت – بحسب وصفه – في تفكيك البنية التحتية والفكرية لهذه الجماعات. ويرى أن هذا النجاح دفع هذه التنظيمات إلى الانحياز للمشروع الإيراني، حتى في مواجهة دول الخليج والدول العربية.
ويخلص أديب إلى أن هذا الانحياز يؤكد فكرة التوافق بين التنظيمات المتطرفة وسلوك إيران الذي يصفه بالعدواني والصدامي مع دول المنطقة، ليس فقط في سياق الحرب الحالية، بل على مدار سنوات طويلة.