يعكس الحديث عن حرب أهلية في لبنان تصاعد التوتر الداخلي وازدياد الاحتقان، ما يجعل المسار الحالي لا يتجه نحو هدنة تقليدية في البلاد.
وبين مساعي رئيس مجلس النواب نبيه بري لإقناع حزب الله بضرورة تعديل نمط الاشتباك، وتحذيرات فرنسية من الانزلاق نحو الفوضى، تبرز التعقيدات السيادية المرتبطة بسلاح الحزب ودور الدولة.
الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي كشف خلال حديثه لسكاي نيوز عربية أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري يتحرك مؤخرا من موقع الناطق السياسي باسم حزب الله داخل الحكومة، مستندا إلى تفويض ضمني أشار إليه الأمين العام للحزب نعيم قاسم.
ومع ذلك، يلفت إلى غياب توافق فعلي حتى اللحظة بين حركة أمل وحزب الله بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصا في ما يتعلق بمسألة المفاوضات، التي لم تعد، وفق توصيفه، تعني الآلية التقليدية القائمة على وساطة أميركية بين غرف منفصلة.
ويؤكد أن ما يجري لا يندرج ضمن وقف إطلاق نار مكتمل، بل هو "نوع من محدودية للعمليات العسكرية ضمن إطار معين"، سواء ضمن نطاق جغرافي محدد -وذلك بما يشمل "جنوب المنطقة الصفراء" كما ورد على لسانه- أو إطار زمني محدد.
في هذا السياق، يحاول بري إقناع حزب الله بضرورة التعاطي مع نتائج الحرب، لا سيما على صعيد ملف النازحين، الذي بات يشكل ضغطا إنسانيا واقتصاديا متزايدا.
ويضيف وهبي أن بري يقدّم هذا الطرح ضمن مقاربة "الكرامة الإنسانية"، باعتبار أن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلا للاستدامة.
ويشير وهبي إلى أن المشهد لا يزال محكوما بمشاورات داخلية بين "الثنائي"، بهدف بلورة مواقف قد تطرح في لقاءات رسمية مرتقبة تجمع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
فرنسا وتحذير "الحرب الأهلية".. قراءة في السياق
يتوقف وهبي عند التصريحات الفرنسية، معتبرا أن وزيرة الدفاع ليست وحدها في هذا الموقف، بل تعكس توجها أوسع داخل القيادة الفرنسية.
ويشير إلى أن استخدام مصطلح "حرب أهلية" لا يقصد به توصيف واقع قائم بقدر ما هو تحذير من حالة فوضى متصاعدة لا ترغب باريس في رؤيتها، نظرا لما تعتبره دورا مستقبليا لها في لبنان.
ويربط هذا الدور بثلاثة محاور أساسية: أولها ملف الحدود الجنوبية المرتبط بقوات "اليونيفيل"، حيث ترى فرنسا نفسها شريكا رئيسيا مع إسبانيا وإيطاليا في أي ترتيبات لاحقة بعد انتهاء الولاية الحالية في 2026، وثانيها دعم الجيش اللبناني، سواء عبر تعزيز العديد أو التجهيز، أما ثالثها، فيتعلق بإعادة الإعمار، في ضوء تعهدات سابقة للرئيس الفرنسي.
في المقابل، يوضح وهبي أن الحديث عن حرب أهلية يعكس أيضا تصاعد التوتر الداخلي، خاصة في الخطاب الإعلامي التقليدي والرقمي، حيث برزت مصطلحات مثل "الانفصال" و"الكونفدرالية"، وهي مؤشرات على ارتفاع مستوى الاحتقان، وإن لم تترجم ميدانيا.
وفي إشارة إلى حادثة "أمن الدولة" الأخيرة، يرى وهبي أن بعض التصرفات الصادرة عن جهات أمنية حكومية أو مجموعات مرتبطة بميليشيات سابقة تسعى إلى إثبات وجودها، تندرج ضمن الإشكاليات التي تعقد مشهد السيطرة على الأرض.
ويضيف أن فرنسا، عبر سفيرها في بيروت، بدأت مشاورات مكثفة مع أطراف عدة بطلب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بهدف خفض الحدة والوصول إلى حل، مع احتمال زيارة مرتقبة للموفد الفرنسي جان إيف لودريان ترتبط أساساً بملف إعادة الإعمار.
يشدد وهبي على أن المقارنة بين الحرب الأهلية في عام 1975 والواقع الحالي غير دقيقة، لغياب عناصر أساسية، أبرزها التسلح الواسع لدى مختلف الأطراف.
ويؤكد أن النزاع الحالي يبقى محصورا جغرافيا في الجنوب، ضمن إطار المواجهة بين حزب الله وإسرائيل.
بيروت والسلاح.. بين الشعار والواقع
يتناول وهبي مسألة "بيروت الخالية من السلاح" باعتبارها شعارا تاريخيا لم يتحقق بالكامل، لكنه يشير إلى أن العاصمة، نسبيا، لا تشهد انتشارا منظما للسلاح، مقارنة بمناطق أخرى.
غير أن الإشكالية، وفق تحليله، تكمن في سلوكيات بعض الجهات، سواء كانت رسمية أو مجموعات مرتبطة ببيئات سياسية معينة، تسعى إلى إظهار حضورها في لحظات محددة.
ويؤكد أن مسألة حصرية السلاح بيد الدولة هي قرار مبدئي اتخذته الحكومة، لكنها تفتقر إلى الأدوات التنفيذية الكاملة لتحقيقه.
ويفرق بين "العمل اليومي للدولة"، مثل ملاحقة المطلوبين، وبين "العمل خارج اليومي"، الذي يتمثل في معالجة وضع حزب الله كتنظيم سياسي مشارك في السلطة، يمتلك في الوقت ذاته قدرات عسكرية مستقلة.
يبرز وهبي أن التحدي لا يكمن فقط في السلاح، بل في البنية البشرية والتنظيمية لحزب الله، بما في ذلك المقاتلون المنتشرون في الجنوب. ويطرح تساؤلا حول كلفة هذا الواقع على الدولة والمجتمع، في ظل غياب الإمكانيات الكافية لفرض حصرية السلاح.
ويشير إلى أن الموقف الفرنسي يدعم تعزيز قدرات الجيش اللبناني، سواء عبر زيادة عديده أو إنشاء وحدات جديدة في الجنوب، إلى جانب تحسين التجهيز. لكنه يوضح أن العلاقة بين الجيش وحزب الله ليست صدامية، نظرا لتركيبة المؤسسة العسكرية التي تعكس التنوع الطائفي في البلاد، ما يجعل أي مواجهة داخلية غير مرجحة.
ويستشهد بتصريح قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، حيث قال هيكل إنه "حتى اللحظة لا توجد كل الإمكانيات" للوصول إلى قرار حصرية السلاح، رغم بعض الخطوات الميدانية التي قام بها الجيش في الجنوب، والتي شملت عرض مواقع كانت سابقاً تحت سيطرة حزب الله.
نحو تغيير نمط الاشتباك؟
يخلص وهبي إلى أن المسار الحالي لا يتجه نحو هدنة تقليدية، بل نحو إعادة تعريف استخدام القوة من قبل حزب الله، سواء في الجنوب أو على مستوى لبنان ككل.
ويربط ذلك بقدرة رئيس مجلس النواب على إقناع الحزب بضرورة هذا التحول، في ظل توازنات داخلية دقيقة وضغوط خارجية متزايدة.
وفي ظل غياب تسوية شاملة، يبقى المشهد مفتوحاً على إدارة أزمة طويلة الأمد، تتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية، ضمن معادلة لا تزال تبحث عن نقطة توازن قابلة للحياة.