في عالم السياسة الدولية، نادرا ما تحسم المعارك الكبرى على أرض الميدان وحده؛ فالهزائم الحقيقية تولد في دهاليز الرأي العام، وتتشكل في عقول الأجيال قبل أن تترجم إلى قرارات. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم مع إسرائيل في قلب حليفتها الأولى.
يكشف الخبير في الشؤون الأميركية ثائر أبوراس أن جبهة من طراز مختلف تفتح أبوابها، لا في غزة ولا في لبنان، بل في شوارع المدن الأميركية وقاعات الكونغرس.
جبهة تتجذر في وجدان جيل بأكمله، سيمسك بزمام أقوى دولة في العالم لعقود مقبلة، وهو جيل بات يرى في إسرائيل عبئا لا حليفا. فما الذي تبقّى لإسرائيل من رصيدها الأميركي؟
جبهة ثامنة
يصف أبوراس التحول في المزاج الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل بأنه بمثابة "جبهة ثامنة" تفتح في وجهها، موازية للجبهات العسكرية. ويوضح أن الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر منحت إسرائيل في بدايتها تعاطفا شعبيا واسعا داخل الولايات المتحدة، ترجم بارتفاع ملحوظ في شعبيتها.
غير أن هذا التعاطف لم يدم طويلا، إذ سرعان ما بدأ بالتراجع، ليتحول سنة 2024 إلى مسار انحداري واضح في مكانة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي، وهو ما يعكس تغيرا نوعيا في نظرة الرأي العام، دون أن يعني بالضرورة حدوث تحول جذري موازٍ داخل الطبقة السياسية حتى الآن.
تحولات داخل الحزبين
يشير أبوراس إلى أن التغير الأبرز يتموضع داخل القواعد الشعبية للأحزاب، لا سيما الحزب الديمقراطي، حيث أصبحت القاعدة الشعبية، وفق توصيفه، "معادلة لإسرائيل كليا".
كما يلفت إلى أن هذا التحول لم يعد محصورا بالديمقراطيين، بل بدأ يتسلل إلى الحزب الجمهوري، بما في ذلك تياراته المركزية، وحتى داخل الأوساط الإنجيلية التي شكلت تاريخياً أحد أعمدة الدعم لإسرائيل.
ويضيف أن هذا التبدل يعكس تحولات أعمق في البنية الاجتماعية والسياسية الأميركية، قد تفضي إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين البلدين في المدى المتوسط.
فجوة الأجيال.. تراجع الدعم بين الشباب
تظهر استطلاعات الرأي، وفق أبوراس، مؤشرات مقلقة لإسرائيل، إذ إن أكثر من 60% من الأميركيين دون سن الخمسين يحملون مواقف سلبية تجاهها، وهي الفئة التي تمثل مستقبل الولايات المتحدة السياسي.
في المقابل، يتركز الدعم لإسرائيل لدى الأجيال الأكبر سنا، التي يتراجع حضورها تدريجيا في المشهد السياسي.
ويؤكد أن هذا التحول يشمل مختلف شرائح الحزب الديمقراطي، بما فيها اليهود الأميركيون، كما يمتد إلى فئات داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً بين التيارات الانعزالية وتحالف "ماغا" المرتبط بدونالد ترامب، إضافة إلى الأجيال الجمهورية الشابة، بما فيها الإنجيلية، التي باتت مواقفها تختلف عن مواقف الأجيال السابقة.
نقاش غير مسبوق: إعادة النظر في الدعم
يلفت أبوراس إلى بروز خطاب سياسي جديد داخل الولايات المتحدة، يتمثل في طرح غير مسبوق يدعو إلى إعادة النظر في الدعم الأميركي لإسرائيل، ليس فقط في شقه العسكري الهجومي، بل أيضا الدفاعي.
كما يشير إلى وجود نقاشات داخل الحزبين حول إنهاء الدعم الاقتصادي والعسكري الذي يتجاوز أربعة مليارات دولار سنوياً، أو على الأقل ربطه بشروط تتعلق بالملف الفلسطيني أو بالمصالح الاستراتيجية الأميركية.
ويواكب ذلك تصاعد الانتقادات لدور إسرائيل ولوبياتها في التأثير على التشريعات الأميركية، بما في ذلك محاولات تعديل تعريف معاداة السامية وربطه بانتقاد إسرائيل، فضلا عن القوانين المرتبطة بحركة المقاطعة (BDS) في عدد من الولايات.
تأثير السرديات الإعلامية والانتخابات
يرى أبوراس أن التقارير الإعلامية، ومنها ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" حول "خديعة إسرائيلية" دفعت الولايات المتحدة نحو الحرب، سيكون لها تأثير كبير على الرأي العام والنخب السياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات منتصف الولاية.
ويشير إلى أن أحد الأسئلة المحورية التي ستطرح على المرشحين يتمثل في مدى استعدادهم للاستجابة للسياسات الإسرائيلية، لا سيما تلك المرتبطة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي كان يتمتع تاريخيا بنفوذ واسع داخل واشنطن.
توتر محتمل مع ترامب وتداعيات السياسات السابقة
يتطرق أبوراس إلى احتمال توتر العلاقة بين دونالد ترامب ونتنياهو، في ضوء ما يراه "جرا" متكررا للولايات المتحدة إلى سياسات أضرت بمكانتها الدولية، سواء فيما يتعلق بسياسة التجويع في غزة أو ملف التهجير القسري، وصولا إلى التصعيد مع إيران.
ويحذر من أن هذه التطورات قد تنعكس سلبا على صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، خاصة إذا تبين أن الوعود المرتبطة بالإنجازات العسكرية أو السياسية لم تتحقق.
ويختتم أبوراس تحليله بالتأكيد على أن العلاقات الدولية تقوم في جوهرها على المصالح. ويرى أن قدرة إسرائيل على الحفاظ على دعم الولايات المتحدة باتت مرتبطة بمدى إقناع المواطن الأميركي بأنها تخدم مصالح بلاده.
ويشير إلى أن إسرائيل فقدت جزءاً من دورها التقليدي الذي كانت تبرر به هذا الدعم، سواء خلال الحرب الباردة أو في سياق "الحرب على الإرهاب"، بينما تبدو اليوم – وفق وصفه – دولة لا تسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، وهو ما يتعارض مع أولويات الولايات المتحدة في مواجهة تحديات كبرى، وعلى رأسها الصين.
وفي هذا السياق، يطرح أبوراس مسار السلام كخيار وحيد يمكن أن يعيد لإسرائيل دورها الوظيفي في نظر واشنطن، لكنه يستدرك بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تبدي اهتماماً بهذا المسار، ما يفتح تساؤلات جدية حول قدرتها على التكيف مع إدارة أميركية مستقبلية قد تكون أقل دعماً وأكثر تشدداً في شروطها.