في خطوة تعكس تحولات لافتة في الاستراتيجية الأميركية، أعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، في أعقاب توترات سياسية مع برلين، ما يسلّط الضوء على مستقبل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا ودلالاته.
ويُنظر إلى القرار على أنه أول تحرك عملي كبير من جانب واشنطن لإعادة تقييم انتشارها العسكري في القارة، وسط انتقادات متزايدة لحلفائها الأوروبيين بعدم تحملهم مسؤوليات أكبر في ملف الأمن، خاصة في ظل الأزمات الدولية المتصاعدة.
انتشار واسع.. وأدوار متعددة
تشير بيانات وزارة الدفاع الأميركية إلى وجود نحو 68 ألف عسكري أميركي في الخدمة الفعلية متمركزين بشكل دائم في أوروبا حتى نهاية عام 2025، دون احتساب القوات التي تُنشر بشكل دوري في مهام مؤقتة أو تدريبات مشتركة.
ويمتد هذا الوجود عبر 31 قاعدة عسكرية دائمة، إضافة إلى 19 موقعاً يمكن استخدامه عند الحاجة، ما يعكس عمق البنية العسكرية الأميركية في القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتشرف القيادة الأوروبية الأميركية (EUCOM) على هذه القوات، وتعمل بالتنسيق مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال منظومة متكاملة تضم قوات برية وبحرية وجوية، إلى جانب وحدات العمليات الخاصة وقوة الفضاء، مع تركيز على الاستجابة للأزمات وتعزيز الأمن الإقليمي.
ألمانيا في الصدارة
تُعد ألمانيا المركز الرئيسي للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، إذ تضم نحو 36 ألف جندي موزعين على عدة قواعد، أبرزها قاعدة رامشتاين الجوية، التي تُعتبر الأكبر في القارة، وتشكل محورا لوجستيا وعملياتيا رئيسيا.
كما تحتضن ولاية بافاريا مراكز تدريب مهمة، تجعل من ألمانيا نقطة ارتكاز رئيسية لأي تحرك عسكري أميركي في أوروبا أو خارجها.
حضور بارز في جنوب وغرب أوروبا
في إيطاليا، يتمركز أكثر من 12 ألف عسكري أميركي، موزعين على قواعد استراتيجية في فيتشنسا وأفيانو ونابولي وصقلية، حيث تلعب هذه القواعد دوراً محورياً في العمليات الأميركية في البحر المتوسط.
أما المملكة المتحدة، فتستضيف أكثر من 10 آلاف جندي، معظمهم من سلاح الجو، في قواعد تُستخدم لدعم العمليات الجوية واللوجستية.
وفي إسبانيا، يتركز الوجود الأميركي قرب مضيق جبل طارق، حيث تستضيف البلاد نحو 3800 عسكري، ضمن قواعد بحرية وجوية ذات أهمية استراتيجية.
تعزيز الوجود شرقا
في المقابل، تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في أوروبا الشرقية، خاصة في دول كانت ضمن المعسكر السوفيتي سابقا.
ففي بولندا، يوجد عدد محدود من القوات بشكل دائم، إلى جانب نحو 10 آلاف جندي يتم نشرهم بشكل دوري ضمن مبادرات الردع الأميركية.
كما تستضيف رومانيا وجوداً دائماً محدوداً، مع استخدام قواعدها في عمليات الانتشار المؤقت، بينما تشهد المجر نشاطاً تدريبياً ودورياً للقوات الأميركية.
إعادة تموضع أم تقليص؟
يرى مراقبون أن قرار سحب قوات من ألمانيا لا يعني بالضرورة تقليصاً شاملاً، بل قد يكون جزءاً من إعادة توزيع القوات بما يتماشى مع التحديات الجديدة، سواء في أوروبا الشرقية أو مناطق أخرى من العالم.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على الحلفاء الأوروبيين لرفع إنفاقهم الدفاعي، بالتوازي مع انشغال واشنطن بملفات دولية معقدة، من بينها التوترات في الشرق الأوسط.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
يبقى مستقبل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها تطور العلاقات مع الحلفاء، ومستوى التهديدات الأمنية، وأولويات السياسة الخارجية الأميركية.
لكن المؤكد أن الخطوة الأخيرة تعكس بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح التوازنات الأمنية داخل القارة الأوروبية.